ابن إياس

80

نزهة الامم في العجائب والحكم

يصير الماء عند كسر كل سد من الأسداد في كل خليج ، ثم يفتح ترع من الخليج إلى الخليج إلي ما علي جانيبه من الأراضي حتى تروى ، فمن تلك الأرض ما يروي سريعا ، ومنها ما يروى [ ق 65 ب ] بعد أيام . ومنها ما يروى لعلوه . وأما قوله « أن جميع تلك المشارب تسند عند ابتداء صعود النيل ، ليجتمع ما يسيل من الماء في النيل ويكثر ، فيعم جميع أرضهم وليمنع بجملته دخول الماء المالح عليه » . فغير مسلم أن تكون السداد كما ذكرنا بل أراضي مصر أقسام كثيرة ، منها عال لا يصل إليه الماء إلا من زيادة كثيرة ، ومنها منخفض يروى من يسير الزيادة ، والأراضي متفاوتة في الارتفاع والإنخفاض تفاوتا كثيرا ، ولذلك احتيج في بلاد الصعيد إلى حفر التروع وفي أسفل الأرض إلي عمل الجسور حتى تحبس الماء ليتصرف فيه أهل النواحي على قدر حاجتهم إليه عند الاحتياج وإلا فهو يزيد أولا في غير وقت سقي الأراضي ، حتى إذا اجتمع من زيادته المقدار الذي هو كفاية الأراضي في وقت خلو الأرض من الغلال - وذلك غالبا في أثناء شهر مسرى فتح حينئذ الخليج حتى يجرى فيه الماء إلى حد معلوم ، ووقف حتى يروي ما تحت ذلك الحد الذي وقف عنده الماء من الأراضي ، ثم فتح ذلك الحد في [ ق 66 أ ] يووم النيروز « 1 » حتى يجري الماء إلي آخر يقف عنده حتى يروي ما تحت هذا الحد الثاني من الأراضي ، ثم يفتح هذا الحد في يوم عيد الصليب بعد النيروز بسبعة عشر يوما حتى يجرى الماء ، ويقف علي حد ثالث حتى يروي ما تحت هذا الحد من الأراضي ، ويصيب في بحر المالح . . . هذا هو الحال في سدود وأراضي مصر . وقول « أن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا في رشيد وتنيس ودمياط ، فلو كان خاليا من الماء العذب لوصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع » فيقول : هذا قول من لم يعرف أرض مصر ، فإن النيل عندهم مصبه بأعمال أسوان يكون أعلا منه عند كونه أسفل الأرض بقامات عديدة فإذا فاض ماء البحر حبسه أن يتدافع هو وماء النيل فيما بين دمياط وفارسكور . وأما في أيام زيادة . النيل فإنه شوهد مصب النيل في البحر من دمياط ، وكل منهما يدافع الآخر فلا يطيقه ، حتى صارا متمانعين وفي منظرهما حينئذ عبرة لمن اعتبر .

--> ( 1 ) أحد أعياد الفرس المشهورة .